السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
40
مفاتيح الأصول
يعلم أن الحال في المعاني المثبتة في كتب اللغة تختلف من حيث كونها معاني أصلية باقية أو مهجورة قبل زمان الصدور أو بعده أو طارئة قبله أو بعده باقية أو مهجورة أو مشكوكا فيها وبهذه الاعتبارات يختلف الحكم فيها من حيث الاتحاد مع العرف والمباينة له ومن حيث التقدم عليه مع فرض المباينة أو التأخر عنه ومن حيث القطع بالحكم والظن به فإن علم حقيقة الحال بالرجوع إلى كتب اللَّغة أو غيرها زال الإشكال عن صفة المعنى وحكمه وإلا فالظاهر تقديم اللَّغة مع المغايرة لوجوه الأول أن المتبادر من قول اللغوي هذا اللفظ موضوع لكذا كونه حقيقة فيه بحسب عرفه المتأخر عن زمان الشارع فيجب أن يكون حقيقة فيه قبل ذلك أيضا وإلا لزم النقل المخالف للأصل الثاني لو كان الوضع المثبت في كلامهم وضعا حادثا مسبوقا بوضع آخر مهجور لوجب التنبيه على الوضع السابق وهجره وحدوث الوضع المثبت وتجدده وفي عدم التعرض لذلك دلالة على اتحاد الوضع كما لا يخفى على العارف بطريقة القوم الثالث أكثر المعاني المذكورة في كتب اللغة لغات باقية مستمرة وأما المهجورة فهي قليلة بالنسبة إليها ولا ريب أن المظنة مع الكثرة والغلبة الرابع أن الفرض الأصلي من تدوين اللغة وجمعها وتأليفها هو أن يكون المكتب المؤلفة فيها مرجعا للعلماء في فهم الكتاب والسنة وحل ما فيها من الألفاظ الغريبة المشكلة كما يعلم من تصريحات القوم وتلويحاتهم ومقتضى ذلك كون المعاني المثبتة فيها هو المعاني المفهومة منها حال صدور الخطابات الشرعية فإن الغرض المذكور أنما يتأتى بذلك الخامس لو كان هذا المعنى مسبوقا بوضع آخر مهجور لوجب تقديمه أيضا لكونه معنى عرفيا بالنظر إلى المعنى الأول وقد سبق أن طريقة الشارع في المخاطبة ومحاورته هي طريقة العرف دون اللغة وكيف كان فينبغي القطع بتقديم المعنى اللغوي مع كون المثبت له أحد اللغويين الذين جرت عادتهم بالاقتصار على إيراد لغة القرآن والحديث كأبي عبيدة والهروي وابن الأثير أو مع تصريحه بنفي العرفي كما اتفق في حديث الاتكاء ويظهر من بعض الفقهاء التوقف في مثل ذلك بل الميل إلى ترجيح العرف على اللغة وضعفه ظاهر انتهى الثاني قال الشهيد في شرح القواعد إذا تعارض حقيقتان لغوية وعرفية فإن الحمل على العرفية في الأصح لأن العرف كالناسخ ولسبق الذهن وقيل بالحمل على اللغوية لورود الشرع بلغة العرب فما لم ينقل الشرع لفظا إلى معنى فهو باق على أصله هذا إذا غلبت العرفية على اللغوية وهجرت اللغوية أما إذا كانت اللغوية لم تهجر وهي باقية على الاستعمال فقيل يصير مشتركا ويكون مباحثه مباحث المشترك في الحمل على الجميع أو على أحدهما بقرينة على الخلاف انتهى ولا يخفى أن الحجج التي أشار إليها ضعيفة لا تنهض لإثبات المدعى مفتاح إذا كان للفظ حقيقة عرفية عامة وعرفية خاصّة كما في لفظ الكلام فإنه في العرف العام لما يتكلم به الإنسان مطلقا ولو لم يكن مفيدا وفي اصطلاح النحاة لمعنى خاص معروف فإذا أطلق واستعمل مجردا عن القرينة فإن كان المستعمل أهل العرف العام وجب حمله على العرف العام فيجب حمل لفظ الكلام الوارد في الكتاب والسنة على العرف العام ووجهه في غاية الوضوح وإن كان المستعمل أهل العرف الخاص وجب حمله على عرفهم حيث يطلقونه في موضع ثبت لهم الاصطلاح فيه فيجب حمل لفظ الكلام إذا أطلقه النحاة في النحو على المعنى المصطلح عليه بينهم وإن اشتبه حال المستعمل أهو من أهل العرف العام أو هو من أهل العرف الخاص ففي الترجيح إشكال ولكن لا يبعد ترجيح الحمل على العرف العام إلحاقا للمشكوك فيه بالغالب مفتاح إذا ورد خطاب شرعي فإما أن يتفق فيه عرف المتكلم والمخاطب أو يختلف عرفهما بأن يكون للمتكلم اصطلاح خاص في ذلك الخطاب مخالف لاصطلاح المخاطب فيه كما في لفظ الرطل الوارد في مرسلة ابن أبي عمير الواردة في بيان تجديد الكر فإن المروي عنه المتكلم وهو الصادق عليه السلام مدني فيكون عرفه عرف أهل المدينة والراوي المخاطب وهو ابن أبي عمير عراقي فيكون عرفه عرف أهل العراق فإن كان الأول فلا إشكال في لزوم حمله مجردا عن القرينة على ما هو المتعارف بينهما وإن كان الثاني فقد اختلفوا فيما يحمل عليه من عرفهما بعد اتفاقهم على عدم جواز حمله على غير عرفهما على قولين الأول أنه يحمل مجردا عن القرينة على عرف المتكلم وهو الظاهر من المحكي عن المرتضى واختاره بعض المعاصرين الثاني أنه يحمل مجردا عن القرينة على عرف المخاطب وهو للعلامة والشهيد الثاني وتوقف في المسألة صاحب المدارك وجدي رحمه الله وبعض المعاصرين والتحقيق عندي أن يفصّل فيها فنقول إذا اختلف عرفهما في التخاطب فلا يخلو إما أن يعلما بذلك أو يجهلا به أو يختلفا فيعلم أحدهما ويجهل الآخر فإن كان الأول فالحق التوقف إذا كان كل منهما عالما بعلم الآخر بالاختلاف والتغاير لعدم الدليل على التعيين حينئذ لا يقال يجب الحمل على عرف المتكلم لوجهين أحدهما أن عرف المخاطب مجاز بالنسبة إلى المتكلم لأن المفروض أن اللفظ موضوع عنده لمعنى آخر فلا يحمل استعمال المتكلم المجرد عن القرينة عليه وثانيهما ما ذكره السيّد الأستاذ رحمه الله من أن عادة الناس قد استمرت على تكلمهم بمقتضى عرفهم وعدم متابعتهم اصطلاح الغير في محاوراتهم إلا لقصد التعليم أو لضرورة التفهيم والبيان لأنا نقول ذلك باطل والوجهان المذكوران لا ينهضان لإثباته أما الأول فلاندفاعه أولا بأنا نمنع المجازية لو حمل على